أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
449
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فكيف ذكّرت صفته فقيل : مبينا دون : مبينة ؟ والجواب أن الصفة هنا رأس فاصلة فلذلك عدل إلى التذكير دون التأنيث . وقال ابن عطية ما يخالف ما حكاه الفراء فإنه قال : « والتذكير أشهر ، وهي لغة القرآن حيث وقع » . و « عَلَيْكُمْ » يجوز تعلّقه بالجعل ، أو بمحذوف على أنه حال من « سُلْطاناً » ؛ لأنه صفة له في الأصل وقد تقدّم نظيره . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 145 إلى 150 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً ( 147 ) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) قوله تعالى ؛ فِي الدَّرْكِ : قرأ الكوفيون - بخلاف عن عاصم - بسكون الراء ، والباقون بفتحها ، وفي ذلك قولان : أحدهما : أنّ الدّرك والدّرك لغتان بمعنى واحد كالشّمع والشّمع ، والقدر والقدر . والثاني : أنّ الدّرك بالفتح جمع « دركة » على حدّ بقر وبقرة ، واختار أبو عبيد الفتح قال : « لأنه لم يجئ في الآثار ذكر « الدَّرْكِ » إلا بالفتح ، وهذا غير لازم لمجيء الأحاديث بإحدى اللغتين . واختار بعضهم الفتح لجمعه على أفعال ، قال الزمخشري : « والوجه التحريك لقولهم « أدرك جهنم » ، يعني أنّ أفعالا منقاس في فعل بالفتح دون فعل بالسكون ، على أنه قد جاء أفعال في فعل بالسكون نحو : فرخ وأفراخ ، وزند وأزناد ، وفرد وأفراد . وقال أبو عبد اللّه القاسي في شرح القصيد : « وقال غيره - يعني غير عاصم - محتجّا لقراءة الفتح قولهم في جمعه : « أدراك » يدلّ على أنه « درك » بالفتح ، ولا يلزم ما قال أيضا ، لأنّ فعلا بالتحريك قد جمع على أفعال كقلم وأقلام ، وجبل وأجبال » انتهى ، وهذه غفلة منه لأن المتنازع فيه إنما هو فعل بالتسكين : هل يجمع على أفعال أم لا ؟ وأما فعل بالتحريك فأفعال قياسه ، وكأنه قصد الردّ على الزمخشري فوقع في الغلط ، وكان ينبغي له أن يقول : وقد جمع فعل بالسكون على أفعال نحو : فرخ وأفراخ كما ذكرته لك . وحكي عن عاصم أنه قال : « لو كان « الدَّرْكِ » بالفتح لكان ينبغي أن يقال السّفلى لا الأسفل » قال بعض النحويين : « يعني أن الدرّك بالفتح جمع « دركة » كبقر جمع بقرة ، والجمع يعامل معاملة المؤنثة . وهذا غير لازم لأنّ اسم الجنس الفارق بين واحده وجمعه تاء التأنيث يجوز تذكيره وتأنيثه إلا ما استثني وجوب تذكيره أو تأنيثه ، والدرك ليس منه ، فيجوز فيه الوجهان ، هذا بعد تسليم كون « الدَّرْكِ » جمع « دركة » بالسكون كما تقدم . والدّرك مأخوذ من المداركة وهي المتابعة ، وسمّيت طبقات النار « دركات » لأنّ بعضها مدارك لبعض أي : متتابعة . قوله : مِنَ النَّارِ في محلّ نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان ، أحدهما أنه « الدَّرْكِ » والعامل فيها الاستقرار ، والثاني : أنه الضمير المستتر في « الْأَسْفَلِ » لأنه صفة فيتحمل ضميرا . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ : فيه ثلاثة أوجه :